الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي
9
شرح الحلقة الثالثة
عنوان الجري العملي وتحديد الوظيفة العمليّة ، أم كان بلسان الطريقيّة والكاشفيّة ، فإنّ هذه مجرّد صياغات اعتباريّة . والحاصل أنّ عنواني الأمارة والأصل لو كانا واردين في دليل شرعي - كالأخبار - كان لهذه التفرقة وجه ؛ لأنّ الشارع يكون على هذا الأساس قد فرّق بينهما في الواقع وأنّه يوجد ملاك واقعي للفرق بينهما ، فيكون ما ذكره الميرزا من الفارق الظاهري صحيحا ؛ لأنّه لا يطالب بالكشف عن الفارق الثبوتي ما دام الشارع قد قال بوجوده واقعا . إلا أنّهما لم يردا في الأخبار كذلك ، وعليه فلا مبرّر للتفرقة بينهما بأي نحو اتّفق . وإنّما عنوانا الأمارة والأصل من المصطلحات الأصوليّة للتعبير عن نحوين من الحكم الظاهري فيقال : إنّ الحكم الظاهري الذي يثبت به المدلول الالتزامي بحيث تترتّب الأحكام الشرعيّة على لوازمه الشرعيّة والعقليّة يعبّر عنه بالأمارة ، بينما الحكم الظاهري الذي لا يثبت به إلا المدلول المطابقي فقط أو هو مع المدلول الالتزامي الشرعي دون العقلي يعبّر عنه بالأصل . ومن هنا ارتكز عندهم أنّ مثبتات الأمارة حجّة سواء كانت هذه اللوازم شرعيّة أم عقليّة ، بينما مثبتات الأصل ليست حجّة إلا إذا كانت اللوازم شرعيّة فقط . وحينئذ يبحث عن حقيقة المجعول في الأمارة والأصل من أجل بيان النكتة الثبوتيّة في كلّ منهما والتي على أساسها حصل هذا الاختلاف ، فالبحث ينبغي أن ينصبّ حول هذا الفارق الثبوتي والذي هو من المخترعات الأصوليّة . وقد تقدّم أنّ مجرّد كون المجعول في الأمارة الطريقيّة والكاشفيّة والعمليّة دون الأصل لا يكفي لتبرير حجّيّة مثبتات الأمارة دون الأصل ؛ وذلك لأنّ هذه التفرقة لا تنظر إلى النكتة الثبوتيّة ، وإنّما هي مجرّد صياغة إثباتيّة فقط . وعليه فلو كان الأصل مجعولا بلسان الطريقيّة والكاشفيّة أيضا لم تكن مثبتاته حجّة ، بينما تكون مثبتات الأمارة حجّة حتّى لو كانت مجعولة بلسان الجري العملي وتحديد الوظيفة العمليّة ، وهذا يعني أنّ الفارق أعمق من ذلك . الثاني : أنّ الفرق بينهما ينشأ من أخذ الشكّ موضوعا للأصل العملي ، وعدم أخذه كذلك في موضوع الحجّيّة المجعولة للأمارة .